كلمة العميد الافتتاحية للسنة الأكاديمية 2026-2027
الزملاء الأفاضل،
نرحب بكم مع بداية العام الأكاديمي الجديد، ونأمل أن تكون الإجازة الصيفية قد أتاحت لكم الفترة الكافية للاستعداد الاستراتيجي؛ إذ يتطلب العام المقبل جهودًا استثنائية وتنسيقًا مكثفًا نظرًا للتحديات والمتغيرات المرتقبة مقارنة بالأعوام السابقة. تشهد قطاعات العمل والتعليم حاليًّا تحولاتٍ جذريةً متسارعة مدفوعة بالطفرة التكنولوجية للذكاء الاصطناعي، ولم يعد تطوير الأساليب التقليدية كافيًا لمواكبة هذه المتغيرات الشاملة التي تأثر بها قطاع التعليم العالي بشكل مباشر
وعلى سبيل المثال، شهد عام 2026 إنجازاتٍ علميةً مهمةً، أبرزها:
في مجال البحث العلمي: دحض "الحدسية الجاكوبية" عبر نظام الجبر الحاسوبي (Jacobian Conjecture بوساطة Jacobian).
وفي القطاع الطبي: تطوير أول لقاح يستهدف فيروسات كورونا بالاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعي.
وفي علوم المواد: نجح نظام GNOME التابع لشركة Google DeepMind في التنبؤ بـ 2.2 مليون بنية بلورية جديدة، مما أيهم في توسيع قاعدة البيانات المعتمدة لعلم المواد بمقدار عشرة أضعاف
وفي مجال الأنظمة الذكية: عمل نظام A-Lab الذكي في جامعة بيركلي على مدار الساعة، وبشكل مؤتمت بالكامل؛ لابتكار موادَّ جديدةٍ تهدف إلى تحسين كفاءة البطاريات وخلايا الوقود. توضح هذه المؤشرات تنامي القدرات التقنية للذكاء الاصطناعي، مما يفرض على المؤسسات التعليمية إعادة تقييم الأدوار والوظائف الأساسية للجامعات والكوادر التدريسية، والإجابة على تساؤلات استراتيجية تشمل
- ماهية المعارف والمهارات الواجب تقديمها للطلاب؟
- آليات وأساليب التعليم الحديثة؟
- الأهداف والمخرجات الاستراتيجية لوجود المؤسسة الجامعية؟ بناءً على ذلك، يتعين علينا تحديث الفلسفة التعليمية والمناهج الدراسية بشكل هيكلي ومراجعتها، وتجاوز المسلمات السابقة لوضع أطر برامجية واضحة ومستدامة. فالجامعات عالميًّا تواجه اليوم تحديًّا مشتركًا يتمثل في تحديد مهام المدرسة والجامعة والأستاذ الأكاديمي وإعادة صياغتها، بما يتوافق مع متطلبات العصر الرقمي.
هذه أمثلة قليلة من كثير تُبرز القوة المتصاعدة والمذهلة للذكاء الاصطناعي، مع أنه لا يزال في طفولته.
حين تستطيع أداةٌ ما أن تصوغ وتلخّص وتترجم النصوص، وتحسب، وتبرمج، بل وتتزايد قدرتها على التفكير جنبًا إلى جنب مع الطالب و الأستاذ، فإنها تفرض علينا أن نعيد طرح أسئلة جوهرية تخص المهمة الأساسية للجامعة والأستاذ. أسئلة ظن الجميع أنها محسومة منذ عقود:
- ماذا يجب أن نُعلّم؟
- وكيف ينبغي أن نُعلّمه؟
- وما الغاية من وجود الجامعة أصلًا؟
لم يعد بإمكاننا أن ندع غايتنا الوجودية (raison d'être) مهملة في شكل افتراض ضمني بين سطور مناهجنا الدراسية. وآن الأوان لأن نعيد النظر فيها بعمق ونُعيد صياغتها من جديد، ونبني برامجنا على أساسها.
نحن نشهد اليوم إعادة ضبطٍ شاملة للتعليم العالي. كل الجامعات في العالم المتحضر والثالث المتأخر على السواء تواجه نفس التحدي الكبير : كيف نعيد صياغة مهمة المدرسة والجامعة والأستاذ؟
لقد قمنا باطلاق مبادرة لاصلاح البرامج الأكاديمية ولا نعني بذلك القيام بإجراءات جزئية أو ترقيعية تُختزل في إضافة بندٍ عن استخدام الذكاء الاصطناعي إلى مفردات كل مساق. نحن نطمح الى تحقيق اصلاح جذري شامل يكسب خريجي جامعتنا المعرفة والمهارات والقدرات التي تمكنهم من المنافسة في سوق العمل والمساهمة في رسم مستقبل الجامعة للعقود القادمة.
إن إصلاحًا من هذا النوع لا يمكن أن يُصمَّم من القمة وحدها. هناك فريق عمل يحوي ممثلين من جميع الكليات يعكف حاليا على وضع الأسس التي سوف يقوم عليها الاصلاح القادم انطلاقا من تحليل مفصل لتداعيات الذكاء الاصطناعي ومتطلبات نظام التقييم الجديد المبني على مخرجات التعليم Outcome based Framework (OBF).
إن إعادة تصميم مقرر دراسي ومخرجاته التعليمية، وتدريب الطلبة على التوظيف الأمثل للذكاء الاصطناعي، و تحقيق التوازن بين تطوير المهارة التقنية والفهم العميق هو جهد أكاديميٌ مهم سوف يحضى بالتقدير المطلوبٍ ضمن النظام الجديد للتقييم السنوي.
هذه لحظةٌ فريدة، وفرصةٌ ينبغي اغتنامها. وأدعوكم جميعًا إلى الإسهام في هذا المسعى المهم. لا يحقّ لنا التردد أو تأجيل إصلاح برامجنا، لأن الجامعات التي تنجح في تسريع الإصلاح والتكيّف مع التغيرات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي ستحتل المقدمة وتقود، بينما يبقى غيرها يعاني من التبعية المستدامة في المؤخرة.
أتمنى لكم جميعًا عامًا أكاديميًا موفّقًا.
الأستاذ الدكتور نوّار ثابت
عميد كلية العلوم
قائم بأعمال نائب مدير الجامعة للشؤون الأكاديمية ، جامعة الشارقة.

