لنتحدّث عن الشؤون العالمية : هل يمكن لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا توظيف الجغرافيا الاقتصادية لتحقيق الاستقرار؟
استضافت كلية السياسة العامة بجامعة الشارقة، بتاريخ 22 مايو 2026، حلقة من سلسلة ندواتها "لنتحدّث عن الشؤون العالمية"، رحّبت خلالها بالسيد أكرم زاوي من مؤسسة أوبزرفر للأبحاث
(Observer Research Foundation)، في نقاش موسّع حول قدرة منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على تحويل ثقلها الاقتصادي المتنامي إلى استقرار إقليمي دائم
افتتح السيد زاوي حديثه بوضع المنطقة في سياق أربعة تحولات عالمية كبرى تعيد تشكيل النظام الدولي: التحول المناخي، والتحول الديموغرافي، والتحول الجيوسياسي، والتحول التكنولوجي. ورأى أن السمة الجوهرية لعصرنا الحالي هي "الاندماج"، أي تلاشي الحدود بين مجالات كانت منفصلة تقليديًا كالتكنولوجيا الرقمية والتكنولوجيا الحيوية والصناعة، وكذلك بين جغرافيات مثل أوراسيا، والمحيطين الهندي والهادئ، وما يسميه بعض الباحثين "أفرابيا"، وهي المجال المشترك الذي يربط إفريقيا بشبه الجزيرة العربية. ولفت إلى أن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تقع في تقاطع هذه الجغرافيات الثلاث جميعها
وفي حديثه عن مفهوم الجغرافيا الاقتصادية، أرجع السيد زاوي جذوره إلى تداخل الاقتصاد والأمن القومي والسياسة الخارجية، وهو تداخل تعمّق منذ الولاية الرئاسية الأولى لترامب، وأفرز مفاهيم مثل الأمن الاقتصادي واستخدام الأدوات الاقتصادية لتحقيق أهداف استراتيجية. وبينما لا تزال المنطقة تواجه تحديات البطالة المرتفعة، وفخ الدخل المتوسط، والنزاعات، والنزوح، فإنها في الوقت ذاته تقترب من "مركز الثقل" المتحرك للاقتصاد العالمي بحسب دراسة لشركة ماكنزي، بفضل صناديق الثروة السيادية الخليجية والموانئ والمطارات التي باتت تلعب دورًا محوريًا في التجارة العالمية والاستثمار التكنولوجي
وربط النقاش هذا التحوّل بجذوره في سبعينيات القرن الماضي، حين تأسست مؤسسات مثل صندوق النقد العربي، وصندوق أبوظبي للتنمية، وصندوق الأوبك، والبنك الإسلامي للتنمية، بهدف توجيه الموارد الخليجية نحو التضامن الإقليمي، وهو نمط وُصف لاحقًا في أدبيات بحثية بـ"دبلوماسية الإنقاذ الخليجية". ورأى السيد زاوي أن هذا النموذج يتطوّر اليوم من الدعم الطارئ المؤقت إلى شراكات استثمارية طويلة الأمد قائمة على المنفعة المتبادلة
وضرب على ذلك ثلاثة أمثلة حديثة: تعهدات استثمارية من أبوظبي وقطر تجاوزت 60 مليار دولار في مصر منذ عام 2024 لدعم عملتها واقتصادها عبر مشاريع سياحية وعقارية؛ وشراكة إماراتية-مغربية عميقة تشمل البنية التحتية للاتصالات والطاقة المتجددة؛ وانخراطًا خليجيًا ناشئًا مع القيادة السورية الجديدة، تضمّن تعهدات استثمارية سعودية وإماراتية أُعلن عنها في عام 2026
واختُتمت الجلسة بحوار تفاعلي مع الحضور، تناول المخاطر التي قد تعرقل هذا الزخم، وفي مقدمتها التقلبات الجيوسياسية الإقليمية وضعف المؤسسات؛ وأهمية جودة الحوكمة، مستشهدًا بكتاب "لماذا تفشل الأمم" لدارون أسيموغلو وجيمس روبنسون؛ وحدود الناتج المحلي الإجمالي كمقياس للنجاح الوطني؛ وسبل توجيه المنافسة الاستثمارية الخليجية بشكل بنّاء لا هدّام؛ وتنوّع نماذج الرأسمالية الغربية والآسيوية والصينية، ونموذج عربي ناشئ يشكّل مستقبل المنطقة الاقتصادي.
واختتمت الجلسة بتوجيه الشكر للسيد زاوي على عرضه الثري بالمعلومات، معلنةً تطلّع الكلية إلى استمرار التعاون مع مؤسسة أوبزرفر للأبحاث خلال الفصل الدراسي المقبل

