HA_v16

العدد السادس عشر – فبراير – 2021 إسلامية مجلة تصدر عن قسم التاريخ والحضارة ال – إ نسانية والاجتماعية آداب والعلوم ال كلية ال - جامعة الشارقة – إمارات العربية المتحدة ال ﷽ PAGE 1 مجلة الوعي التاريخي من يقرأ التاريخ لا يدخل اليأس إلى قلبه أبداً، وسوف يرى الد نيا أيّاماً يداولها الله بين الناس، فالأغنياء يصبحون فقراء، والفقراء ينقلبون أغني اء، وض عفاء الأمس أقوياء اليوم، وحكّام الأمس مشردوا اليوم، والقضاة متهمون، والغالبون مغلوبون، والفلك دوّار، والحياة لا تقف، والحوادث لا تكفّ عن الجريان، والنّاس يتبادلون الكراسي، لا حزن يستمر، ولا فرح يدوم الحضارة الإسلامية 1:1 كلمة مدير التحرير العُنـــــوان يُجهد أصحاب العقول أنفسهم في توصيف الإنسان الاستثنائي صانع الحضارة، فمن هو، وما سماته؟ إن هذا الإنسان الذي نريد يتحرك في فضائين لا ينفك عنهما أحدهما اجتماعي يعيشه، وتاريخي يدور فيه، فالإنسان كفرد ذو شخصية مستقلة وهوية استثنائية لا يستقر معناه الحقيقي إلا إذا أصبح ضمن إطار محدد كمجتمع أو دين أو لغة أو ثقافة وبانصهار هذه العوالم مع بعضها واندم اجها ضمن أنساق معرفية تبدأ الحياة تأخذ مجراها الطبيعي ضمن الإطار والبعد الزمني كامتداد ومسيرة بشرية طبيعية وباستمرار هذه الحركات وذاك الانصهار يكتب التاريخ وتتشكل دوراته ويبدأ دورانه . فنحن نتحدث هنا عن كيف يصنع التاريخ، وما هي أدواته الفعلية المباشرة، ومن يحركه، إذاً هو الحديث عن تجليات الفعل الإنساني عبر مجموعة من اﻷحداث والوقائع التي تتشابك أو تتقاطع أو تتناغم مع بعضها وتتغير عبر الزمن ﻷسب اب وانعطافاً مختلفة ومتغيرة، غير أنها متشابهة ا لدكتور مسعود إدريس رئيس قسم التاريخ والحضارة الإسلامية في جامعة الشارقة الحضارة الغربية 1:2 كلمة رئيس التحرير IN THIS ISSUE TITLE OF THE ANOTHER TITLE OF TITLE OF THE صانع الحضارة أو الإنسان الاستثنائي الدكتور صالح محمد اللهيبي أستاذ مساعد بقسم التاريخ والحضارة الإسلامية في جامعة الشارقة يُجهد أصحاب العقول أنفسهم في توصيف الإنس ـــان الاستثنائي صانع الحضارة، فمن هو، وما سِــمــاته؟ إن هذا الإنسان الذي نريد يتحرك في فضائين لا ينفك عنهما أحدهما اجتماعي يعيشه، وتاريخي يدور فيه، فالإنسان كفرد ذو شخصية مستقلة وهوية استثنائية لا يستقر معناه الحقيقي إلا إذا أصبح ضمن إطار محدد كمجتمع أو دين أو لغة أو ثقافة وبانصهار هذه العوالم مع بعضها واندماجها ض من أنساق معرفية تبدأ الحياة تأخذ مجراها الطبيعي ضمن الإطار والبعد الزمني كامتداد ومسيرة بشرية طبيعية وباستمرار هذه الحركات وذاك الانصهار يكتب التاريخ وتتشكل دوراته ويبدأ دورانه . فنحن نتحدث هنا عن كيف يصنع التاريخ، وما هي أدواته الفعلية المباشرة، ومن يحركه، إذاً هو الحديث عن تجليات الفعل الإنساني عبر مجموعة من اﻷحداث والوقائع التي تتشابك أو تتقاطع أو تتناغم مع بعضها وتتغير عبر الزمن ﻷسباب وانعطافاً مختلفة ومتغيرة، غير أنها متشابهة ومتكررة ﻷنها ببساطة الحركة التاريخية المرتبطة بالفعل الإنساني، فالتاريخ يعن ي ببساطة الفعل الإنساني من حيث وقوعه واستمراره. لذا نجد من يشير لذلك حيث يرى التاريخ: واقع الحياة البشرية عبر المسيرة الزمنية، فهو يرى أن التاريخ فعل إنساني مقرون بزمن، هذا من حيث الشكل والسرد، أما من حيث المضمون والتحليل والنقد فعلم التاريخ يعني اﻷفعا ل التي تعمد إلى دراسة وتحليل اﻷحداث والنصوص التاريخية التي وقعت؛ لذا فإن دراسة التاريخ تعني التعرف إلى خصائص الحدث التاريخي والرواية التاريخية، وإخضاعها لقواعد الدراسة والنقاش والتحليل المجرد من النزعات واﻷهواء؛ كي لا تفسد العقلية العلمية التي طالما نادى بها المؤرخون والمهتمون بالحضارة لكن قليل من أصاب الحقيقة منهم أو استطاع أن يطبق هذه الرؤى والتصورات وجعلها في نصابها الصحيح، ومن هنا كانت المداخل والمآخذ على علم التاريخ والذي ظُلم في أحيان كثيرة ليس لعلة فيه بل لنقص في أدوات دارسية. على عجل ، وعادت علل ال ماضي تناوش الجسد المتهالك ـ ولا يزال ـ بالرغم من جهود مضنية في الشرق و الغرب حاولت حمل المريض على أخذ الدواء ، إلا أن اﻷدوبة التي قررها رواد الإصلاح داخلها الغش . إن البحث العلمي هو سبيل نهضة اﻷمم في شتى المجالات، ودوره أساسي ومهم لمواكبة التقدم التكن لوجي والرقي لشعوب، فضلاً عن دوره في تنمية لقدرات البشرية، كما يُعد محوراً أساسياً في حفز الهمم و لابداع والابتكار. لهذا تم في قسم التار خ والحضارة الإسلام إعداد وتنظيم عدة أنشطة وبرامج ثقافية وفكرية وتدريبية القصد منها تلبية الحاجات البحثية والمجتمعية ﻷعض اء هيئة التدريس بالقسم لطلابنا خصوصًا من هم في مرحلة الدراسات العليا، ول ل إصدار مجلة الوعي التاريخي بما ستنشره م أب ا علمية محكمة وأنشطة بحثية رصينة يدخل في هذا السياق. Madjallat Al-Waai AL-Tariki وختاماً أجد لزامًا عليّ التقدم بالشكر الجزيل لكل المشاركين في هذا العدد من المجلة؛ وذلك على جهودهم الفاعلة في النهوض بعمل المجلة، كما أخص بالشكر الجزيل أعضاء هيئة التحرير على جهودهم الكبيرة في سبيل تيسير عمل المجلة بسلاسة ويسر، وأعم بالشكر كل منسوبي المجلة والمتع اونين معها من سكرتارية وإخراج فني وغير ذلك . الحضارة الغربية 1:1 كلمة رئيس القسم

العدد الــســادس عــشــر - فبراير 2021 مجلة الوعي التاريخي PAGE 2 TOPIC THE TOPIC TOPIC هيئة تحريرالمجلة مدير التحرير .. د. خير الدين يوسف شترة رئيس هيئة التحرير .. د. صالح محمد زكي اللهيبي سكرتيرة المجلة آلاء عماد يوسف مُحرر مسـاعد أحلام محمد سرور الشامسي المحتوى كلمـــــــة رئيس الـتحريـــــــر الدكتور صالح محمد زكي اللهيبي 1 كلمـــــــة رئيس قسم التاريخ والحضارة الإسلامية اﻷستاذ الدكتور مسعود إدريس 1 أضواء على اشكالية دراسة تاريخ صلاح الدين الأيوبي ( - 1138 ) 1193 م الاستاذ الدكتور محمد مؤنس عوض 2 خصوصية العلاقات التونسية الجزائرية ومظاهر الدعم التونسي للقضية الجزائرية خلال المرحلة الاستعمارية الدكتور خيرالدين يوسف شترة 3 دور الفرد والمجتمع في استرداد بيت المقدس -1187-10-2 لمحات نفسية وإدارية هدية عبد الرزاق الجنكو (باحثة دكتوراه) 7 علاقة صلاح الدين بالحشاشين النزارية.. تحالف استراتيجي أم تحييد عسكري؟ حازم محمد جوهر (طالب دكتوراه) 7 المؤرخ المصري البارز الأستاذ الدكتور محمد مؤنس خادم تاريخ السلطان خولة عبدالله حميد حياز العليلي (باحثة دكتوراه) 8 في هذا المقال ، أقدم للقارئ العزيز أضواء كاشفة على اشكالية دراسة تاريخ فارس الاسلام عصر الحروب الصليبية . بداية قد يتصور البعض أن الكتابة التاريخية عنه أمر سهل المنال ، ميسور الجانب ، الا أن هناك عدة صعاب تواجه من يتعامل مع المصادر المتعددة المعاصرة وكذلك المتأخرة والمؤلفات الحديثة عنه . من الممكن ادراك مظاهر تلك الاشكالية من خلال العناصر التالية . أولا : ا تساع النطاق الجغرافي لتاريخه ، اذ أمتدت دولته من حلب شمالا الى النوبة جنوبا بين قارتي آسيا و أفريقيا وشملت مناطق في البحر المتوسط والبحر اﻷحمر. لقد تطلب ذلك من الباحث في تاريخه تتبع سياسته وأعماله على مدى جغرافي متسع من خلال كون الجغ رافيا توجه التاريخ وما التاريخ الا صراع على الجغرافيا . ثانيا : هناك تاريخ عالمي لذلك القائد ، اذ لايكتب تاريخ فرنسا وانجلترا وألمانيا وبيزنطة وايطاليا في العصور الوسطى خاصة خلال المرحلة من 1171 الى 1193 م دون ذكره ، لذلك نجده لدى مؤرخي الحوليات الانجليزية والفرنسية واﻷلمانية واليونانية. لقد أدى هذا الوضع الى أن فرضعلى المؤرخ البحث في بطون المصادر المتعددة اللغات عن تاريخ ذلك القائد ، والطابع العالمي المذكور لا نجده لدى غيره من قادة حركة الجهاد الاسلامي عصر الحروب الصليبية . لانغفل هنا، محورية الحملة الصليبية الثالثة ، اذ أشترك فيها اﻷمبراطور فريدريك ( – 1152 1190 Frederick Barbarossa ) بارباروسا (ذو اللحية الحمراء) ( 1180 1226 – م) والملك Philip Augustus الملك الفرنسي فيليب أغسطس - 1189( ) 1199 م Richard Lionhearted ريتشارد قلب اﻷسد اﻷنجليزي . وقد تعامل معهم صلاح الدين بصورة أو بأخرى خلال تلك اﻷحداث الصاخبة ، وكان ذلك من عوامل بروز ظاهرة عالمية تاريخية وهي خاصية فريدة له . ثالثا : تعدد المصادر التاريخية التي تناولته في صورة المصادر العربية واللاتينية واليونانية والسريانية والقبطية ، على نحو جعلنا أمام غزارة مصدرية كم ا وكيفً ا، وهو أمر يجعل الباحث عن تاريخ صلاح الدين اﻷيوبي أمام تنوع وتعدد لمصادر ترجمته، و عليه التعام ل معه من أجل اﻷقتراب قدر المستطاع من الحقيقة التاريخية ، ناهيك عن ا ختلاف الرأي بين مؤرخ وآخر ، ولا ريب في أنه شخصية جدلية بصورة أو بأخرى. البطل ، اذ أن ذلك السلطان امتلك شخصية Charisma : الوقوع في كاريزما رابعا : كاريزمية مؤثرة بعمق فيمن حوله ، وهو أمر ندركه من خلال نص ص ريح قدمه لنا الطبيب والمؤرخ والرحالة موفق الدين عبد اللطيف البغدادي (ت ) 1231 م وأورده عنه ابن أبي أصيبعة (ت ) 1268 م في عيون اﻷنباء في طبقات اﻷطباء .هكذا ، في مقدورنا القول أن المؤرخين الذين عاصروه تأثروا بصورة أو بأخرى بتلك الكاريزما ، على نحو امتد إلى عصرنا الحالى ، ومن خلال تجربة علمية شخصية امتدت ﻷعوام عديدة بفضل الله تعالى ، أقرر هنا بوجود تلك الكاريزما الآسرة لمن يحاول التعمق في دراسته من جوانب متعددة سياسيً ا وعسكريً ا وحضاريً ا . و الواقع أن خطورة الوقوع في كاريزما البطل على الرغم من مرور قرون عديدة عل ى وفاته في عام 1193 م، و الانحياز اللاشعوري له ، وتبرير كافة سياساته ، دون ادراك أنه في النهاية بشر قد يصيب وقد يخطئ ، ﻷننا لا نكتب تاريخً ا لقديسين معصومين. أو من نحيطهم بهالة من القداسة من صنعنا نحن ، ﻷن ذلك من شأنه ابعادنا عن الروح الموضوعية للكتابة التاريخي ة . خامسا : تمحور تاريخه حول القائد الفرد و إ غفال أثر المجموع البشري، والواقع أن هناك العديد من الباحثين من أ برز صلاح الدين من خلال فكرة البطل اﻷوحد المخلص والمنقذ الذي حرر بيت المقدس من السيادة الصليبية عام 1187 م . ولذلك ظهر في العالم العربي دراسات ذا ت طابع انفعالي تحمل عبارة قاهر الصليبيين ، البطل المنتظر إلى غير ذلك من التعبيرات والنعوت. أضواء على اشكالية دراسة تاريخ صلاح الدين الأيوبي ( - 1138 ) 1193 م الهيئة العلمية والاستشارية أ.د مسعود إدريس - أستاذ - m.idriz@sharjah.ac.ae – 0097165053290 أ.د. محم د مؤنس عوض - أستاذ - mawad@sharjah.ac.ae- 0097165050290 د. عصام مصطفى عبد الهادي عقلة - أستاذ مشارك - imokleh@sharjah.ac.ae د. مضر عدنان صالح طلفاح - استاذ مشارك - mtelfah@sharjah.ac.ae- 0543774703 د. فوزي خالد علي الطواهيه - أستاذ مشارك - faltwahya@sharjah.ac.ae – 00971569200549 د. نجيب بن خيرة – أستاذ مشارك - nbenkheira@sharjah.ac.ae- 00971505962741 كافة الآراء الواردة في المجلة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي المجلة

العدد الــســادس عــشــر - فبراير 2021 مجلة الوعي التاريخي PAGE 3 خصوصية العلاقات التونسية الجزائرية ومظاهر الدعم التونسي للقضية الجزائرية خلال المرحلة الاستعمارية تابع // 2 أضواء على اشكالية دراسة تاريخ صلاح الدين الأيوبي ( - 1138 ) 1193 م الدكتور محمد مؤنس أستاذ بقسم التاريخ والحضارة الإسلامية في جامعة الشارقة الواقع أن خطورة الوقوع في كاريزما البطل على الرغم من مرور قرون عديدة على وفاته في عام 1193 م ، الانحياز اللاشعوري له ، وتبرير كافة سياساته ، دون إ دراك أنه في النهاية بشر قد يص يب وقد يخطئ ، ﻷننا لا نكتب تاريخا لقديسين أو من نحيطهم بهالة من القداسة من صنعنا نحن ، ﻷن ذلك من شأنه ابعادنا عن الروح الموضوعية للكتابة التاريخية . سادسا : المسئولية التاريخية بين الواقع التاريخي والتبرير . و واقع اﻷمر ، نجد عدداً من المؤرخين الذين تعاطفوا مع تاريخ صلاح الدين اﻷيوبي لا يذكرون له أخطاءه ويقومون بتبريرها بصورة لا شعورية من خلال حماسهم العاطفي .الواقع ليس هذا هو الطريق اﻷمثل للتعامل مع تاريخ الرجل في تقديري -: الدكتور خيرالدين يوسف شترة Lorem ipsum dolor sit amet, consectetur adipi- scing elit. Fusce vel laoreet orci. In eget auctor mi. Maecenas ipsum purus, imperdiet ullamcor- per quam sit amet, malesuada semper sem. Duis elit quam, sagittis sed justo at, condimentum porttitor velit. Vivamus rutrum a enim eget molestie. Sed pharetra diam metus, id ornare dolor lobortis quis. Integer gravida, ipsum non venenatis pretium, elit mauris ultrices neque, quis tincidunt arcu velit sed dolor. Suspendisse non lacus at orci hendrerit tincidunt. Quisque consequat faucibus luctus. Ut sollicitudin arcu mauris, non dictum est viverra vitae. Proin dolor massa, aliquet sit amet pharetra quis, efficitur a massa. Praesent dolor tortor, feugiat id porttitor a, scelerisque non purus. Sed ac fermentum velit. In vitae mollis quam. Praesent sit amet maximus eros, quis mollis odio. Nunc eget dignissim est. Donec eget justo nec turpis cursus convallis eget nec erat. Nullam vel pellentesque leo. Proin id euismod turpis, sit amet suscipit mauris. Sed sed ullamcorper lectus. Sed eros nisi, consequat et auctor vel, placerat quis massa. Mauris elementum efficitur diam elementum vulputate. Integer ullamcorper ligula quis enim efficitur, non pellentesque nunc facilisis. Sed mollis et arcu vitae suscipit. Etiam scelerisque ante vel nibh bibendum, et interdum odio venenatis. Mauris congue venenatis nibh, vitae condimentum massa varius vel. العلاقات الجزائرية – التونسية 3:1 وأرى أن هناك مسئولية تاريخية تقع على عاتقه في عدة مو اقف ومنها : -1 يتحمل السلطان مسئوليته عن هزيمة جيشه في معركة تل الجزر المعروفة بمونتجسار في مواجهة الصليبيين عام . 1177 م -2 يعد ذلك القائد مسئولا عن معركة أرسوف عام 1191 م حيث تعرض جيشه للهزيمة من جانب الجيش الصليبي بقيادة ريتشارد قلب اﻷسد. -3 لم يكن يستمع الى نصائح أطبائه بالخلود الى الراحة حفاظا على صحته ، ولا ريب أن الصحة كانت هي الثمن كما يقال . -4 غلبت عليه عاطفة اﻷبوة عندما قس م ملكه بين أبنائه على نحو أدى إ لى تصارعهم من بعد ذلك . سابعا : تداخل تاريخه مع تاريخ نور الدين محمود ( 1146 1174 – م ) فلا يكتب تاريخ اﻷول دون الثاني والعكس صحيح ، ونجد أن المؤرخين الذين أرخوا لصلاح الدين، قللوا من شأن نور الدين ونفس اﻷمر بالنسبة لمن كتب تاريخ نورالدين حيث قلل من شأن صلاح الدين . ثامنا : غلبة التاريخ الحربي والسياسي لصلاح الدين الأيوبي على نحو لايتوازن مع دوره ا لحضاري . حرص أغلب المؤرخين على إ براز دوره من خلال الصراع الحربي ضد الصليبيين وانتصار حطين عام 1187 م، و أحداث الحملة الصليبي ة الثالثة ( – 1189 1192 م ) دون إ دراك محورية دوره الحضاري العمراني البارز وقيادته لنهضة علمية وفكرية في ربوع دولته على نحو أكد لنا اد راكه لإ عداد اﻷمة للجهاد وهو أمر محوري في ذلك العصر . و لاشك في محورية الدور العمراني للمسلمين في عهده من مدارس وبيمارستانات وحتى على المستوى الحربي في صورة قلعة الجبل وقلعة سدر والجندي وايلة على نح و يؤكد. توافر رؤية عمرانية لديه . تاسعا : ابراز الطابع الذكوري لتاريخه ، تعاني معالجة تاريخ صلاح الدين اﻷيوبي من اظهاره على أنه من صنع القادة العسكريين والفقهاء ، وعندما يتم تناول دور المرأة يكون على استحياء وكأنه هامشي على الرغم من محوريته ، ولا نغفل هنا أنه حمل جيناته الوراثية من أبيه نجم الدين أيوب و أمه الت ي لا نعرف عنها سطرا واحدً ا في المصادر المعاصرة واللاحقة ، ولا تزال لغزً ا لنا وأن استعضنا عن ذلك بدراسة الفلكلور الكردي الذي أبرز دور المرأة على مر العصور . وو اقع اﻷمر فإن العصر اﻷيوبي شهد نهضة نسوية لا تنكر من خلال دور خاتونات البيت اﻷيوبي الﻶتي حرصن على إ قامة المدارس والخوانق والزوايا كوقفيات ، ومن العسير إبراز تاريخ صلاح الدين دون دور المرأة المحوري في عصره ، اذ وراء كل عظيم امرأة ، وهو نفسه تأثر بد ور عصمت الدين خاتون ( ت ) 1186 م أ رملة نور الدين محمود وزوجة صلاح الدين من بعد ذلك ، وكان يستشيرها في أمور الدولة لرجاحة عقلها و خلاصة القول ، تاريخ صلاح الدين شاركت في صنعه المرأة خاصة أنها قادت الجبهة الداخلية ذات الدور المحوري في مواجهة الصليبيين. عاشر ا : الجانب الأسطوري في تاريخه ، اذ الملاحظ أن الصليبيين أنفسهم نسجوا وهي المرة اﻷولى أسطورة عن صلاح الدين وا ﻷخيرة الني تقوم أوروبا العصور الوسطى بنسج اسطورة حول قائد مسلم بارز حاربها على أرض شرقي المتوسط لا نغفل هنا ملاحظة أن الشعوب تكتب تاريخها باﻷساطير حيث يقوم الخيال الشعبي بدور بارز فيها ، لذا علينا التوازن بين المؤلفات التاريخية المعاصرة والمتأخرة وبين الرؤية اﻷسطورية ﻷوروبا تجاه ذلك القائد البارز من عصر الحروب الصليبية . حادي عشر : تناقض مؤرخي الموصل البارزين ؛ ابن اﻷثير الجزري ( ت 1232 م ) وبهاء الدين بن شداد ( ت 1234 م) في التعامل مع تاريخ صلاح الدين اﻷيوبي، فاﻷول متحامل - عموما – عليه ويترصد له اﻷخطاء ، والثاني تربطه به علاقة من المحبة الصوفي ة. لذلك وجدنا الكامل في التاريخ منحازا ضده ، لقد أدى ذ لك الى أن الطرف المعارض له وجد مادته لدى المؤرخ مؤرخ النوادر." ذلك عرض عن ملامح اشكالية دراسة تاريخ صلاح الدين اﻷيوبي " ( - 1138 .) 1193 م ظهر فجأة مخاطياً أو على اﻷقل بقي معلقاً، وعلى واقع العمل العسكري كشف التحالف عن تجسيده بصفة كبيرة لشكل من أشكال إتحاد كومندو شمال إفريقيا والذي أبرم مبدئياً في 29 ماي 1954 م بالقاهرة . وفي الحقيقة فإن الحديث عن خصوصية العلاقة يحيلنا بالضرورة إلى الحديث عن الدور الذي قامت به النخبة الجزائرية مغاربيًا من منطلق وزنها الإقليمي والإستراتيجي وهو الوزن الذي جعل الصحفي العراقي – بحري يونس – يقول عام : 1958 م « في الواقع فإن الاستعمار الفرنسي في الجزائر إذا بقي هكذا محتفظًا بقواته المسلحة على أرض الوطن فإن وحدة المغرب العربي لن تتم ولن يتحقق استقلال تونس والمغرب مطلقًا.. وقد أعجبني ما كتبه المجاهد عبد المجيد "بن جلون" قائلاً : ..« إن الشيء القليل الذ ي حققنا في سبيل مراكش وتونس إذا لم ندعمه بتحرير الجزائر سيبقينا منعزلين عن أقطار المشرق والمغرب العربية... ولن نرضى بهذا مطلقاً.. » ، فقضية استقلال الجزائر –انطلاقاً من هذا المنظور – كانت تمثل حينها ولازالت قضية للمغرب العربي كمجموعة وكأقطار مستقلة، بل هو الض مان الدائم لاستقلال المغرب العربي وحفظ كيانه. أ .طبيعة وظروف التكوين التاريخي والطبيعي والثقافي والسياسي : ويجدُر بنا أن نتساءل: ما هي العوامل اﻷساسية التي جعلت الجزائريين والتونسيين يشعرون بأنهم من أمة واحدة متميّزون عن أبناء اﻷمم اﻷخرى. وحدة الأصل والمنشأ : كان الرواد اﻷوائل لهذا التواصل السياسي والفكري بين التونسيين والجزائريين يجْزمون بأن جميع أفراد القطرين يكونون بمثابة اﻷشقاء المنحدرين من صلب أب واحد ولذلك نجدهم يكررون في مراسلاتهم وصحفهم وفي كل المناسبات كثيرًا من التعبيرات الدالة على هذا الزع م كقولهم: « أجدادنا، آباؤنا، إخواننا، أشقائنا... » رغم أن هذا الظن لا يستند إلى أساس صحيح فحقائق التاريخ لم تترك مجالاً للشك في أنه لا يوجد على وجه البسيطة أمة تنحدر من أصل واحد فعلاً ولا أمة خالصة الدم تماماً، لكن يرجع جزمهم إذًا إلى أن إمعانهم في الترابط والتواصل ارتقى بهم إلى درجة اﻷخوّة وكأنهم عائلة واحدة، بمعنى أمة واحدة. « وكذلك اعتـقادهم أن المهم في القرابـة والنسب ليس رابطة الدم في حد ذاتها بقدر ما هو الاعتقاد بها والنشوء عليها» ، ذلك أن الاعتقاد بوحدة اﻷصل والشعور بالقرابة عمل عملاً هامًا في زيادة روح التضامن والترابط بين الجزائريين والتونسيين، سواءً أكان ذلك موافقا للحقيقة أم مخالفاً لها فالقرابة بينهما كانت قرابة نفسانية معنوية أكثر مما كانت جسمانية ومادية. وحدة اللغة والتاريخ: فاللغة العربية كانت هي واسطة التفاهم فعلاً عن أنها كانت أداة التفكير و النضال وواسطة لنقل اﻷفكار وتبادل المكتسبات، مما كان له تأثير عميق على العواطف والمشاعر.. أما التاريخ المشترك فكان بمثابة الشعور بالذات والشخصية المتفردة فوحدة تاريخهما تولد عنها تقاربًا في العواطف والنزعات ﻷنها أدت إلى تماثل في ذكريات المفاخر والمصائب ال ماضية كما أدت إلى تشابه في أماني النهوض وآمال المستقبل ، وعندما نقول وحدة التاريخ يجب أن لا نفهم من ذلك الوحدة التامة في جميع أدوار التاريخ بل يجب أن نفهم من ذلك الوحدة النسبية والغالبة التي تتجلى في أهم صفحات التاريخ وإلا لما استطعنا أن نجد أمة واحدة كانت موحدة على طول تاريخها توحيدًا تامًا، فقد قال أحد المفكرين: « على كل أمة أن تنسى قسمًا من تاريخها لكي تتوحد »، من جهة أخرى أو على مستوى فكرة "المغرب العربي" يذكر عابد الجابري ثلاث عناصر رئيسية أسست وتؤسس فكرة المغرب العربي في وعي أبناء شمال إفريقيا منذ أن ظهرت هذه الفكرة مع أوائل القرن العشرين. فكرة اﻷمة: والتي تشكل الجانب الاجتماعي السياسي لعقيدة التوحيد التي جاء بها الإسلام. رد الفعل الوطني ضد الاستعمار : حيث يتخذون إطارًا مرجعيًا لمطامحهم التحررية. هذه المطامح نفسها: أعني تطلعهم إلى إنجاز نهضة عصرية متقد مة. فهذه العناصر تحدد كل منها لحظات تطور الوعي بالوحدة لدى أبناء شمال إفريقيا، إن هذا يعني أن اﻷمر يتعلق بمراحل تاريخية متداخلة من الوعي بالوحدة تتعايش وأحيانًا تتنافس ليس داخل الوعي الجماعي فقط بل حتى داخل الوعي الفردي. وفيما يتعلق بطبيعة وظروف التكوين ا لتاريخي والجغرافي لفكرة المغرب العربي كتب أيضاً عبد الله العروي قائلاً: « من أي جهة من العالم يمكن الحديث عن تاريخيته وبصدد تحديده كمفهوم نتساءل من أين تبتدئ وتنتهي جغرافيته؟ أهو شمال إفريقيا كما اصطلح على تسميته رجال الجغرافيا وكتب لنا عنه أساقفة السوسيولو جية الكولونيالية ؟ أ م هو المغرب العربي الكبير كما عرفته ودعت له الحركات الوطنية؟ ومن العسير منهجيًا أن نحصر تعريفًا محددًا للوحدة تصوّرنا لها من خلال هذه الدراسة . هو ما الممكن أن تفعله تلك التفاعلات السياسية والفكرية من تأثيرات وتغييرات بمجتمعات "تنمو وتتط ور" على قاعدة التأخر ، . والتفكك والقطرية وهو ما نؤمن بحضوره كواقع بالمغرب العربي . وما يمكن قوله أن الوحدة صيرورة تاريخية طويلة المقدمة إن التواصل بين الشعبين الجزائري والتونسي لم ينقط ع عبر مختلف عصور التاريخ فالوحدة الجغرافية واللغة والصلات الاجتماعية والاقتصادية والحضارية اﻷخرى إضافة إلى عمق الصلات الفكرية الموغلة في أعماق التاريخ كلها عوامل ساعدت على تقارب الشعبين إلى بعضهما، وفي العديد من الفترات التاريخية يشكل القطران وحدة تارة في شكلها الكلي وتارة في شكلها الجزئي. سنتحدث في هذ ه الورقة البحث ية عن الدوافع التي خصّت المنطقة دون سواها وزادت من تقارب القطرين وسنحصي كل العوامل والبواعث مهما كان دورها في تنامي العلاقات بين القطرين، كما سنتطرق إلى التضامن التونسي الجماهيري الذي ارتقى إلى مستوى الكفاح المشترك مع الجزائريين وتطور هذا التضامن بتأثير الشعب التونسي على حكومته لتصبح تونس مكاناً استراتيجياً حيوياً للنشاط المسلح لجيش التحرير . إن ما أسع ى ﻷيضاًحه هنا هو التطور التاريخي ل هذه الخصوصية بين القطرين خصوصاً منذ مطلع القرن العشرين، مع تحليل بعض العوامل التي أدت إلى زيادة هذا التواصل . ومن ثم إبراز مختلف مجالات الدعم التونسي للقضية الجزائرية خلال المرحلة الاستعمارية خصوصاً وهو ما يجعلنا نستشرف أفقاً زاهراً لهذه الصلات. 1 . خصوصية العلاقات الجزائرية التونسية عبر التاريخ : لماذا الكتابة عن خصوصية هذه العلاقة؟ وهل هناك فصل بين هذا النوع من الخصوصية الوحدوية(الوحدة المغاربية) وبين النوع الآخر والذي لا يخرج عن إطار (الوحدة العربية والإسلامية) من خلال أدبيات النخب المثقفة للمن طقة؟ أم أنهما معًا يشكلان بعدًا واحدًا مع اختلاف في المدى؟ على أساس أن الوحدة العربية الشاملة هي وحدة للذات، وبالتالي فالحديث عن الوحدة المغاربية لا يعدو أن يكون إجراءً منهجيًا ليس إلا، ونُقرّ مبدئياً أن الحديث في هذا المنحى يعتبر حديثًا ساقطًا لا يتوخى من ه سوى الفصل بين الوحدتين، أي إبراز وجود خصوصية في درجة القطيعة رغم أننا في كل الفصول التي ستلي الوحدة المغاربية والعربية معًا رؤية علمية متماسكة حين تتعاطى مع الوحدة الجهوية باعتبارها خطوة نحو الشاملة ، قد نشعر بنفس القلق الفكري أيضاً حين نريد مساءلة الوعي القومي لدى التونسيين والجزائريين خلال هذه المرحلة التاريخية إذن: فلماذا الكتابة بالضبط عن هذا الوعي القومي في كلا القطرين؟ و هل ا لوعي القومي العربي، وعيـان: مغربي ومشرقي؟ أم كلاهما شيء واحد وعي اﻷمة العربية بقوميتها ووحدتها؟ إن الحدث القومي بالجزائر خلال هذه الفترة قد آثار جملة من التساؤلات مقارنة مع نظيره بالمشرق، تعلقت أساسًا بتاريخ تكوّنه بموضوعاته أيضاً بدرجة تقدمه ومحدوديته ووقعه وفعله.. ومن أهم الموضوعات ظاهرة الاختلاط بين العروبة والإسلام، وأيضاً تداخل الوعي بالانتماء إلى اﻷمة العربية بالوعي الوطني أي الانتماء القطري !! وأنا أدرك تمامًا رغم صلاحية هذه التساؤلات من حيث الطرح المنهجي بصعوبة التعاطي معها ﻷن الموضوع ذاته مازال بكرًا قياسًا لما كُتب حوله وأنجز، إن ما يربط ما بين الشعبين التونسي والجزائري، تاريخ ومصير ذا أبعاد مغاربية وهذا ما يعقّد مس عى إدراك تلك اﻷحداث المحصورة في المرحلة الزمنية جدًا التي حصرت موضوع الدراسة ولكنها بالمقابل غنية بالإثارة. فالعلاقات المنسوجة في بداية القرن العشرين ما بين تونس الفتاة والجزائر الفتاة وبين علماء الحركة الإصلاحية المعاصرة وما بين الوطنيين الدستوريين والوط نيين النجميين الجزائريين من د ون أن تترك آثار في الذاكرة، ونفس الشيء بالنسبة لجمعية الطلبة المسلمين لشمال إفريقيا بالجزائر وجمعية الطلبة المسلمين لشمال إفريقيا بفرنسا، وكذا مناضلي التنظيمات النقابية المرتبطين ارتباطًا ما بالتعاليم الماركسية نسجت بين الزعماء المستقبليين للأحز اب الاستقلالية بالقطرين روابط جديدة، وللإشارة لهذا الحدث ليست دون جدوى في منظور العلاقات الجزائرية – التونسية في سنوات الخمسينات . فقد تكون شكل من أشكال التوافق بين حزب الشعب – حركة الانتصار وحزب الدستور الجديد، في حين أنه منذ نوفمبر 1954 م. الجوهر الترابطي المتراكم طوال العقود اﻷخيرة ما بين الاتجاهات السياسية للأحزاب الوطنية الجزائرية والتونسية . وهي كظاهرة اجتماعية بمعنى الانتقال من وضعية التفكك/التجزئة إلى مستوى الانصهار/ الاتحاد السياسي أي أنها في طبيعتها أرقى من التعاون والتكامل، والوحدة التي كان يصبوا إليها الجزائريون والتونسيون، هي وحدة الكفاح ثم وحدة التنمية، أي الخروج من التأخر التاريخي والتخلف بأفق التطور واستيعاب شروط تقدم العصر.

العدد الــســادس عــشــر - فبراير 2021 مجلة الوعي التاريخي PAGE 4 ويذكر علي أومليل: « أن الماضي كان بمثابة المبرر اﻷساسي لإثبات حقيقة هذه الوحدة وهو الذي كوّن ل دى بلدان المغرب العربي أسس التوحيد هذه: وحدة اللغة، ومذهبًا دينيًا واحدًا، إضافة إلى تشابهات أخرى يبحث عنها، أما المستقبل لم يطرح كلية، ليس ﻷن الحركات ه الوطنية اعتبرت أفق الاستقلال أفقًا كافيًا في حد ذاته فقط، بل ﻷن حصلت قناعة لدى هؤلاء تتمثل في أن ا لوجود الاستعماري كان السبب في هذه التجزئة، وأنه بزوال الاستعمار ستتحقق وحدة المغرب العربي، لكنه ومع تحقيق الاستقلال وتكوّن هذه الدول، انشغل الكل ببناء دولته ولكنه مع ذلك ظلت وحدة المغرب العربي تطرح تمامًا كما كانت تطرح سابقاً لكن كشعار اختزالي دون طرح المش اكل المتعددة، حيث شاع فيما بعد أن المعرقل الرئيسي لتحقيق وحدة البلدان المغاربية، هو الدولة القطرية نفسها، وهي الوجه السلبي لمثل هذا الاعتقاد » . لقد عرفت المنطقة عدة تسميات منها القديمة كنوميديا وموريتانيا أو التي استعملها اﻷخوين عروج وخير الدين، أو تسمية ب لاد البربر التي استعملتها فرن سا الاستعمارية ﻷغراض التفرقة والسيطرة كما استعمل بعض الكتاب عبارة المغرب الإسلامي، وأخيرًا هناك التسمية المعاصرة الحضارية التي واكبت تنامي الحركات الوطنية في المنطقة وهي: المغرب العربي، إلى جانب تسميات سياسية أخرى ظهرت فيما بع د استقلال المنطقة كالمغرب الموحد أو المغرب الكبير وبالتالي فهناك معطيات موضوعية لوحدة المغرب العربي منها الطبيعية والبشرية والتاريخية والدينية والثقافية ونظام الحكم والقيم اﻷخلاقية (العادات والتقاليد)، وهذه العوامل المشتركة أصبحت خصائص حضارية ثابتة، كما أ ن الفرد المغاربي ق د ساهم بدور كبير في هذا المعطى الحضاري للمنطقة ، ومن الدول التي حكمت المغرب العربي وبذلت جهودًا جبارة في إقرار الوحدة السياسية والحضارية بالمنطقة، دولتا: المرابطين( 463 ه- 539 ه) ( 1071 م– 1144 م) والموحدين ( 524 ه- 664 ه) ( 1130 م– 1270 م)، ودانت لهما م عا بلاد اﻷندلس . وبمثل الكيفية التي خضع فيها كل المغرب العربي لنظام موحّد في عهد الخلافة الإسلامية أو الفاطميين أو الموحدين، فقد أُخضع أيضاً لنظم سياسية قطرية في فترات تاريخية متقطعة كانت آخرها التي تنازعت فيما بينها على الإرث الموحدي، ورغم وطنيتها الجغرا فية ظلت مجهولة فإن التواصل الحضاري بقي مستمرًا بين أقطاره، ولقد زادت هجمات المسيحيين (اﻷيبيريين خصوصاً) عليها من تمتين أواصر هذا التواصل ليتجسد سياسيًا في اﻷخير مع الدخول العثماني للمنطقة، ولاشك أن عامل الاستعمار اﻷوربي (الإسباني – الإيطالي – الفرنسي. ..) للمغرب العربي كان من العوامل الطارئة التي ساهمت في تماسك أهالي المنطقة، وفي حتمية الوحدة، وفي صورة الجهاد ضد الصليبيين . إن الانقـسام الحـادث في المغرب العربي يرجـع بجذوره إلى القـرن ( 13 م) منذ أن تحطمت دولة الموحدين، وقامت على أنقاضها ثلاث أسر حاكمة فوض عت نواة التقسيم الحالي، واستمر هذا التفكك في العصر العثماني، وكان من الممكن أن يحدث الاستعمار الواحد نوعًا من الترابط بين اﻷقطار المغاربية، لولا أنه ميّز من حيث الوضع القانوني بين الجزائر التي اعتبرت جزءًا من اﻷرض الفرنسية، وبين كل من تونس والمغرب اللتين أخضعتهما لنظام الحماية، ولهذا رسم الفرنسيون حدودًا دقيقةً تفصل بين هذه اﻷقطار بالرغم من أن تلك الحدود لا تساير أية عوامل طبيعية . والمغرب العربي متسع جغرافي متصل المـفاصل متـجانس الخصـائص المناخية والسمات الطبيعية متكافئ في الموارد ومنابع الرزق، متجانس ا لعمران ومتقارب في الملامح البشرية، يشكل على الضفاف الجنوبية من سواحل الحوض الغربي للبـحر المتوسط جـبهة عمرانية عريضة في أفق حـضاري موصوف، ويمتد على خطوط المواصلات التجارية، وعلى طريق الترابط الاجتماعي والتفاعل الثقافي بين الشمال والجنوب ومن الغرب إلى الشرق فيكسب الجبهة المغاربية موقعها هذا عمقًا إفريقيًا إلى جانب امتدادها العربي الإسلامي ومجاورتها لمشارف الغرب اﻷوربي فينطبع العمران البشري فيها بملامح التجانس والتقارب الثقافي والتمازج الاجتماعي ويُعزّز التاريخ هذا التجانس الجغرافي بما كان لشعوب الشمال تونس والجزائر من تلاقح تاريخي مستمر ومن التفاعل مع تيارات المد والجزر على عرض المنطقة كلها من العصر القرطاجي إلى الغزو اللاتيني إلى الفتوحات العربية الإسلامية وما ترتب عنها، انطلاقًا من الحواجز المغاربية من توسع ثقافي وتوطيد لقَدَم الدين والحضارة الفكرية قرونً ا على عتبات أوربا وفي العمق الإفريقي وراء الصحراء الكبرى ثم تراجع المد الحضاري وتعاقبت ويلات الفتن والفوضى على أوطاننا وتوهّنت قُواها فترشحت بذلك لمحنة الاستعمار وانبعثت جرّاء ذلك من منابع الوحدة الحضارية قوى الرد وتصلب عود الكفاح التحرري المشترك وانتظم ال تناصر المنسق ضد الغزو الاستيطاني فاستعادت الجهة استقلالها في عشرية واحدة من منتصف القرن العشرين . إن هذه المنطقة من شمال إفريقيا لم تعرف قط عاصمة قارة نهائية كما لم يتح لها أن تحقق وحدتها حول عاصمة ما، ويعود ذلك إلى التجزؤ الجغرافي وصعوبة المواصلات وانعدام اﻷودية الواصلة بعضها إلى بعض وعدم صلاحية اﻷنهار وعداء البحر. وفي دراستنا للتكوين التاريخي والطبيعي والسياسي للمنطقة لم نجد ممالك تتسع شيئًا فشيئًا إلى أن يعمّ سلطانها البلاد قاطبة، بل قبائل يوحدها زعيم جريء، تؤسس ملكاً بفضل غزوة جبارة، ثم تنهار تحت ضربا ت كتلة أخرى من القبائل فليست المدينة أو التراب بالمقومين ولا نعرف عن الحياة الداخلية لهذه القبائل شيئاً يذكر. وأخيرًا فعامل الجغرافيا واﻷرض لم يكن مقومًا مساعدًا على التواصل بقدر ما كانت العلاقات السياسية (سلطة القبيلة) والدينية (الطريقة الصوفية) هي المقو م اﻷساسي لهذا التواصل ليضاف إليها عامل آخر أكثر أهمية هي وحدة العدو اﻷجنبي الذي يغزو المنطقة وهذا ما سنتناوله في المبحث اللاحق. الحضارية قوى الرد وتصلب عود الكفاح التحرري المشترك وانتظم التناصر المنسق ضد الغزو الاستيطاني فاستعادت الجهة استقلالها في عشرية واحدة من منتصف القرن العشرين . إن هذه المنطقة من شمال إفريقيا لم تعرف قط عاصمة قارة نهائية كما لم يتح لها أن تحقق وحدتها حول عاصمة ما، ويعود ذلك إلى التجزؤ الجغرافي وصعوبة المواصلات وانعدام اﻷودية الواصلة بعضها إلى بعض وعدم صلاحية اﻷنهار وعداء البحر. وفي دراستنا للتكوين التاريخي والطبيعي والسياسي للمنطقة لم نجد ممالك تتسع شيئًا فشيئًا إلى أن يعمّ سلطانها البلاد قاطبة، بل قبائل يوحدها زعيم جريء، تؤسس ملكاً بفضل غزوة جبارة، ثم تنهار تحت ضربات كتلة أخ رى من القبائل فليست المدينة أ و التراب بالمقومين ولا نعرف عن الحياة الداخلية لهذه القبائل شيئاً يذكر. وأخيرًا فعامل الجغرافيا واﻷرض لم يكن مقومًا مساعدًا على التواصل بقدر ما كانت العلاقات السياسية (سلطة القبيلة) والدينية (الطريقة الصوفية) هي المقوم اﻷساسي لهذا التواص ل ليضاف إليها عامل آخر أكثر أهمية هي وحدة العدو اﻷجنبي الذي يغزو المنطقة وهذا ما سنتناوله في المبحث اللاحق. ب. طبيعة وظروف العملية الاستعمارية بالمنطقة: عرّف أحد الاستعماريين المتعصبين الاستعمار بقوله: « الاستعمار هو تلك الحركة الوطنية التي ت حوّلت صورتها بتأث ير ضياء من أماني البشرية العالمية » وعرفها "مونتسكيو" في سياق قوله: « إذا طُلب مني أن أدافع عن حقنا المكتسب لاتخاذ الزنوج عبيدًا فإني أقول: أنّ شعوب أوروبا بعد أن أفنت سكان أمريكا اﻷصليين لم تر بُدًا من أن تستعبد شعوب إفريقيا لكي تستخدمها في كل هذه اﻷقطار الفسيحة، والشعوب المذكورة ما هي إلا جماعات سوداء البشرة من أخمص القدمين إلى قمة الرأس، وأنهم أفطسوا فطساً شنيعًا ولا يمكن للمرء أن يتصور أن الله سبحانه وتع إلى قد وضع روحًا في داخل جسم حالك السواد... .» وفي وسعنا أن نذكر أمثلة أخرى لتعريف الاست عمار ولكن هي في الغالب تخضع لنزعات الكتاب وخلفياتهم، فالاستعمار هو العمل أو مجموعة اﻷعمال التي من شأنها السيطرة أو بسط النفوذ بواسطة دولة، أو جماعة منظمة من الناس على مساحة من اﻷرض لم تكن تابعة لهم، أو على سكان تلك اﻷرض والسكان في آن واحد إن الاس تعمار هو باﻷساس حركة توسعية شاملة تستهدف السلطة واﻷرض والهوية، ولا يقل البعد الثقافي لهذه الظاهرة خطورة عن جوانبها المادية والبشرية، فقد واكبت الثقافة الغربية الحركة التوسعية وخضعت للتوظيف السياسي والتسخير الإيديولوجي فساهمت في ترسيخ المصالح المادية اﻷج نبية، وتدعيم الهيمنة السياسة وعلى ه ذا اﻷساس يمكن اعتبار الثقافة سلطة فعلية مارست من خلالها النظم الاستعمارية نفوذًا أوسع على المجتمعات المولى عليها كما إن سياسة الاستعباد التي تسخّر كل شيء لصالح المستعمر هي اﻷسـاس الذي قامت عليه كل سياسة استعمارية، وتقضي هذه السياسة بأن تعمل الحكومة المستعمرة لنفسها وحدها ولغاية هي ثروتها ونفوذها السياسي، أما حاجة المستعمرة ومصلحتها فهي لا تعتبر، ويتلخص ذلك في هذا التعبير الذي حددت به اﻷنسكلوبيديا معنى الاستعمار، إذ قالت: « لقد استغل المست عمِر المستعمرات من أجله.. » هذا اﻷ صل اﻷصيل للاستعمار ظل هو العقدة النفسية التي تسير كل عمل استعماري في الشمال الإفريقي كما في غيره رغم أن الثورات الفرنسية المختلفة كانت تعلن عدائها للاستعمار أو بصيغة أخرى تطالب باحترام الحقوق الطبيعية للإنسان ، وعلى الرغم من الشكل الحاصل في نظام المغرب ال عربي بمقتضى الظروف والمعاهدات فإن ذلك الطابع لم يتغير في جميع الإجراءات التي اتّبعت في كل من تونس والجزائر ومراكش. لقد استعمل الاستعمار - تاريخ المغاربة - القريب والبعيد كسلاح للقضاء على معنوياتهم، كما لو كان لسان حالهم يقول: « إذا جئنا هنا لنعمّر البلاد فلأنكم أنتم الدليل طي لة قرون على تصوّركم وعجزكم » فوصفوا أهل المنطقة بالغدر والتبعية والتملق للأقوى، وهذه أوصاف طبيعية لا تتغير أبدًا في الذّات البشرية والوصف في حد ذاته محاولة لطرد المغربي من مجال التاريخ إلى مجال الإثنوغرافية أي الطبيعة الإنسانية. فسيطرة القومية الفرنسية تتجلى في العمل على إدماج المغرب العربي، وجعله جزءًا لا يتجزأ من فرنسا وذلك إما بالإلحاق الكلي كما وقع في الجزائر أو بطريق محو الشخصية الوطنية وإضعاف الجنسية كما هو واقع في تونس . والحقيقة هو أنه كان لاحتلال الفرنسيين أرض الجزائر دوي هائل ف ي شمال إفريق يا، فلقد تزلزلت كل النظم الموجودة هناك وتضعضعت، ولم تعد دولة تونس المجاورة للجزائر في مأمن من الخطر الفرنسي الذي كان يزداد نموًا وعنفًا كل يوم ، وانتهى عهد اﻷمان بالنسبة لتونس التي كانت آخذة في طريق الضعف السياسي والاقتصادي، وكان الخطر عليها عظ يمًا نظرًا لقربها وصغر مساحتها وجنوح أهلها للسلم، وهي بعد ذلك لها من الثروة والموارد الطبيعية والمركز الجغرافي في البحر اﻷبيض المتوسط ما يجعلها أكثر جاذبيةً لجيرانها الجدد الفرنسيين ، كذلك لا يوجد حدود طبيعية ولا سياسية ولا عنصرية حقيقية ولا دينية تفصل بين هما وبين البلاد الجزائرية، وإذا كانت الحكومات الفرنسية المتعاقبة قد قرّرت الاحتفاظ بالجزائر فكان لزامًا عليها كما رأت أن تراقب بدقة ما يحدث في القطر التونسي. ولو ترك اﻷمر للسلطات الحربية الفرنسية في الجزائر تفعل ما تريد لاستولت بقوة السلاح على تونس بالذات لولا معارضة حكومة "لوي فيليب" و"نابليون الثالث"، التي كانت ترى استعمال الوسائل السلمية لضم تونس إلى الجزائر وذلك باحتكار المشاريع وإقناع الباي بصداقة فرنسا، ولكن كل هذه الآراء كانت مجمعة على مد حدود الجزائر إلى نهر مجردة، بحيث تكون بنزرت في المنطقة الفرنسية، وذلك إذا أرغمت الظروف فرنسا إلى اتخاذ موقف حاسم ، ثم تأكد الاحتلال الفرنسي على تونس عقب ذلك بفترة (عام 1881 م) ونجح في تزوير الحقائق باتخاذه لذرائع واهية وربطها بشرف فرنسا وجيشها ولعل حادثة قبائل بني خمير المفتعلة تذكّرنا بحادثة المروحة التي ادّعت فيها فرنسا أنها أهينت وذلّت بسببها . فمنذ سنة 1881 م ودخول الاستعمار الفرنسي لتونس بدأ هذا اﻷخير يتعامل مع ال هياكل الإدارية ﻷقطار المغرب العربي بشكل متباين، فقد طبّق في تونس نظام الحماية وحافظ بالتالي على المؤسسات التقليدية للدولة المحلية إلى جانب بنائها بعض مؤسسات الدولة الحديثة والتابعة لها، وبطبيعة الحال لم يكن لمؤسسات الدولة المحلية أي تأثير على القرار السيا سي والاقتصادي بل كان دورها، بل وجودها ضروريًا للتغطية والتمويه ، وبالمقابل طبّق في الجزائر نظامًا استعماريًا فكّك جلّ المؤسسات التقليدية والمحلية وميّع بعضها، وصاحَب هذا التفكك تحطيم النسيج الاجتماعي الداخلي نتيجة عمليات ما سمي بإخماد الفتنة العسكرية وإعادة التقسيم الإداري للبلاد والاستحواذ على أراضي الفلاحين وتوزيعها على المعمرين وتفسّر حدّة الهجمة الاستعمارية في الجزائر نحو الموروث الديني والتفاف الشعب حول النخب التقليدية ورفضه كل ما هو تحديثي لارتباطه بصورة وبرمز آخر بالمستعمر . إن هذا التعاطي المختلف للا ستعمار مع القطرين ستكون له انعكاسات سلبية على مستقبلها سواء في نطاق حركتها الوطنية ونضالها التحرري أو بعد الاستقلال وتحقيق السيادة القطرية، فتكريس النظام البايوي في تونس الذي سيؤول إلى الزوال عقب الاستقلال مباشرة سنة 1957 م سيكون حجر عثرة أمام مطامح الشعبين خصوصاً بعد تأكد قيام النظام الجمهوري في الجزائر وبروز القوى المعتمدة على الشرعية الثورية. كما أن احتلال فرنسا للجزائر يقوم على مجرّد الاعتداء المسلح وحكم الغالب فليست هناك معاهدة تربط بين الجزائر وبين فرنسا تعطي الحق لها بكيفية ما في أن تتصرف في القطر الج زائري أو تراقب أعمال حكومته، أما في تـونس فإن اﻷمر يختـلف عن ذلك ﻷن فرنسا نجحت في إرغام اﻷيالة على إمـضاء اتفاقتين تخوّلان لها حق الرقابة وتفرضان عليها واجب المـساعدة، "فمـعاهدة باردو" تنص على: « تأكيد معاهدات الصلح والمودة والتجارة، وجميع الاتفاقات اﻷخرى الموجودة بين الجمهورية الفرنسية والباي » كما أنه ا تنص في مادتها الثانية على إنهاء الاحتلال عندما تتفق السلطتان الحربيتان الفرنسية والتونسية، على أن الإدارة التونسية أصبحت قادرة على حفظ اﻷمن، كما تلتزم المادة الرابعة بتنفيذ جميع المعاهدات الموجودة بين تونس والدول اﻷوروبية، وتنص المادة السادسة على أن فرنسا هي التي تتولى بوساطة ممثليها الدبلوماسيين تمثيل المصالح التونسية في الخارج، غير أنه وفي 10 نوفمبر 1884 م أصدر رئيس الجمهورية الفرنسية مرسومًا يجعل كل أوامر الباي غير نافذة، ما لم يصادق عليها المقيم العام نيابة عن الحك ومة الفرنسية ، والاختلاف الآخر الحاضر في المنطقة بين القطرين جرّاء التعامل المختلف للاستعمار هو أن العلاقة بين فرنسا وبين تونس كانت ذات صبغة دبلوماسية ترجع لاختصاص وزارة الخارجية الفرنسية نقيض ما هو جاري العمل به في الجزائر. غير أن التطو ر الحادث في المحمية وهو أن المقيم العام بتونس أصبح من مهامه أيضاً تتويج الباي زعما من فرنسا بأنها حلت محل الدولة العثمانية في التبعية التي كانت للباي نحو الخليفة، قد جعلت الوضع التونسي يقترب إلى حد ما بما هو جاري في المستعمرة وأكثر من ذلك فقد تجرّأ بعض الم قيمين العامين أكثر من مرة على نفي واعتقال البايات ومحاصرة قصورهم بسبب عدم مسايرتهم لسياستهم ، كما يختلف وضع تونس الثقافي على وضع أختها الجزائر ، إذ أن الفرنسيين رغم أنهم حرموا تونس من الاستفادة من الصحف والمنشورات العربية والإسلامية الصادرة بالمشرق، لم يفلحو ا في ذلك بنفس الدرجة التي أفلحوا بها في الجزائر، فبالإضافة إلى قيمة جامع الزيتونة اﻷعظم العلمية، فإن التونسيين لم ينقطع مددهم من الشرق فكانوا على اتصال دائم بمنشوراته خاصة منها الإصلاحية مثل مجلة المنار لرشيد رضا ، وفي الحقيقة ليس هناك مجال للمقارنة بين الوجود الاستعماري في البلدين حيث أن الفرنسيين اعتبروا الجزائر جزءًا لا يتجزأ من فرنسا بينما تركوا للتونسيين شبح الباي بمثابة بصيص من نور لم يفقد بوجوده اﻷمل وإن كان مكمومًا بكمامة الحماية وأوامرها اللاحقة . ومن هنا نأتي إلى بيت القصيد في إحداثنا للمقارنة بين القطرين مع تركيزنا على فضاعة الاستعمار في الجزائر وشناعته، مقابل توازنه في تونس، ينضاف إلى ذلك الاختلاف اﻷكيد في الموروثات الاجتماعية والثقافية والسياسية بين القطرين وميلها لصالح تونس، فالدلالة التي يمكن أن نستقيها من ذلك وهي التي جعلتنا نصف العلاقة ب ين القطرين بالخصوصية والتميّز رغم كل هذه الاختلافات المستجدة هو أن الجزائريين رغم ما تم سرده من عمليات الإخضاع والتدمير التي مسّت بنية وجودهم الحضارية إلا أنهم كانوا من المبادرين للإسهام في تونس ومشاركة تياراتها المختلفة مما يعطي الانطباع بشكل جدي أن بواعث تميّز الصلة بين القطرين كلها تشكل أحد العاملين اللذين أعطى للعلاقة بين القطرين خصوصيتها، فالسيطرة المتوازنة واليد الممدودة للاستعمار الفرنسي خصوصاً فيما يتعلق بالمجال الثقافي والديني والفكري والاقتصادي أدت إلى نزوح مكثف للجزائريين إلى تونس وهم الطامحين ف ي الحصول على الحد اﻷدنى من العيش المحدود وفق ظروف تسمح باحترام المشاعر الدينية والممارسات الاجتماعية، هذا الزحف البشري المتواصل منذ سنة 1830 م إلى غاية الحرب الكونية اﻷولية بكل تجلياته السياسية والحضارية ساهم في توثيق الصلة بين الشعبين . فتكثفت المصاهرات و اختلطت اﻷنساب فيما بينها وتزايدت المعاملات التجارية والمراسلات الثقافية....ثانيهما بلا شك مرتبط بالبناء الشخصي للفرد الجزائري ومتجسّد على العموم في ذهنية المجتمع الجزائري بأكمله .

RkJQdWJsaXNoZXIy MTQ1NzAwMQ==