مؤسسة الشارقة الدولية لتاريخ العلوم عند العرب والمسلمين

عالمي

الحمّام التركي: إرثٌ حضاري يتجاوز النظافة الجسدية إلى عمق الحياة الدينية والاجتماعية للمسلمين

تتناول هذه المقالة الحمّام، أو بيت الاستحمام الإسلامي التقليدي، بوصفه مؤسسة روحية ومجتمعية في المجتمعات الإسلامية. فبينما استند الحمّام إلى نموذج الحمّامات الإغريقية والرومانية القديمة، فقد تطوّر في الحضارة الإسلامية ليصبح فضاءً قائماً على مبادئ الطهارة والتطهير، ومرتبطاً بشعائر دينية مثل الغُسل والوضوء. ويؤكد البروفيسور مسعود إدريز على دوره في النظافة والروحانية والحياة الحضرية، في حين تشدد البروفيسورة إبرو إيبيش على ارتباطه بتعاليم الإسلام التي تقول إن «النظافة شطر الإيمان». ولم يكن الحمّام مجرد مكان للاستحمام، بل مثّل رمزاً للمساواة والصحة والضيافة، وترك إرثاً حضارياً ما زال يلهم النقاشات المعاصرة حول التراث والعافية وروح المجتمع.

وعلى خلاف الحمّامات الإغريقية والرومانية القديمة، التي كانت تُستخدم أساساً للاستحمام والاسترخاء، لعبت الحمّامات التركية العامة، المعروفة باسم «الحمّام»، دوراً محورياً في العالم الإسلامي بوصفها مراكز للروحانية والحياة الاجتماعية، كما يوضح مسعود إدريز، أستاذ الدراسات الإسلامية في جامعة الشارقة، في مقال جديد له.

ويكشف البروفيسور إدريس، الذي يشغل أيضاً منصب مدير مؤسسة الشارقة الدولية لتاريخ العلوم عند العرب والمسلمين، في بحثه عن تاريخ الحمّام وأهميته الثقافية، متتبعاً جذوره وتطوره عبر المجتمعات الإسلامية.

ويقول إدريس:
«إن مصطلحي "الثيرماي" (الحمّامات الإغريقية والرومانية القديمة) و"الحمّام" (في المفردات العربية والإسلامية) يشيران كلاهما إلى معنى الحمّام البخاري أو ناشر الدفء.»

إلا أنه يضيف أن الحمّام في المجتمعات الإسلامية أدّى دوراً دينياً مهماً، حيث كان يُرتاد لأداء الطقوس التي تتطلب غسل الجسد كاملاً بالماء الطاهر، «وفي حالات محددة لكلٍّ من الأحياء والأموات».

ويربط إدريس الاستحمام في الحمّام الإسلامي بتقليد الغُسل في الإسلام، والذي يصفه بأنه:
«الطهارة الكبرى التي يجب القيام بها عند حدوث حالة من الحدث الأكبر، مثل الجماع، أو خروج المني، أو الحيض، أو النفاس.»

وكان الحمّام جزءاً لا يتجزأ من التخطيط العمراني للمدن الإسلامية؛ فإلى جانب كونه منشأة عامة للاستحمام، احتل مكانة بارزة في الحياة الثقافية الإسلامية. وقد ورث المسلمون فكرة الحمّام من الحمّامات الرومانية، واستثمروا في بنائه في مختلف الأقاليم، ولا تزال بعض الحمّامات الباقية حتى اليوم تُعدّ من الروائع المعمارية العثمانية.

ورغم أوجه التشابه بين الحمّام الإسلامي والحمّامات الرومانية والمنتجعات الأوروبية، فإن تقاليد الحمّام في الحضارة الإسلامية اكتسبت طابعاً خاصاً مستنداً إلى المبادئ الإسلامية، بحسب البروفيسور إدريس. كما يربط دور الحمّام في التاريخ الإسلامي بما يمنحه القرآن الكريم للماء من مكانة عظيمة بوصفه أصل الحياة.

وفي الإسلام، يحمل الماء معنى روحياً سامياً، يتجلى في طقوس الطهارة مثل الوضوء والغُسل. وقد ساهمت هذه الواجبات الدينية في انتشار الحمّام وترسيخه كمكان جماعي متاح لجميع الطبقات الاجتماعية.

وتقول إبرو إيبيش، أستاذة الدراسات القانونية والأخلاقية في جامعة البلقان الدولية في سكوبيه، عاصمة مقدونيا الشمالية:
«إن تقليد الحمّام متجذر في تأكيد الإسلام على النظافة وقدسية الماء. وعلى امتداد التاريخ الإسلامي، ساعد الحمّام الناس على الحفاظ على نظافتهم واستعدادهم الروحي.»

كما تربط إيبيش بين تقاليد الحمّام في العالم الإسلامي وتركيز الإسلام على النظافة وتطهير الجسد، معتبرة أن ذلك جزء من تطهير الروح لدى المسلمين.

وتضيف:
«في الإسلام، يُعدّ الاهتمام بالنظافة، والدقة في العناية الشخصية، والطهارة الروحية، جزءاً أصيلاً من التعاليم الدينية والممارسات اليومية. ولهذا فمن الطبيعي أن يرتبط الحمّام، باعتباره مكاناً مخصصاً لتطهير الجسد والروح، بهذه القيم الأساسية في الدين.»

وعند الحديث عن المكانة الشعبية للحمّام، كثيراً ما يستشهد المسلمون بالمقولة المعروفة: «النظافة شطر الإيمان». وترى البروفيسورة إيبيش أن النظافة جزء أساسي من التعاليم الإسلامية، وأن الحمّام شكّل للمسلمين مكاناً مهماً لتحقيق الطهارة.

وتوضح قائلة:
«وانطلاقاً من هذا التعليم، أصبح الحمّام مؤسسة أساسية مارس فيها المسلمون هذا الجانب من إيمانهم، مما جعله ركناً مهماً في كلٍّ من الحياة الدينية والاجتماعية، ومظهراً واضحاً للأهمية العميقة للحفاظ على النظافة الشخصية.»

وتؤكد إيبيش أن الإسلام يولي أهمية كبيرة للنظافة وطهارة الجسد والروح معاً، ولذلك فإن زيارة الحمّام بالنسبة للمسلمين ليست مجرد عادة اجتماعية أو صحية.

وتضيف:
«إنها ممارسة متجذرة بعمق في التقاليد الإسلامية، تعكس التذكير المستمر في الدين بأن الحفاظ على الطهارة واجب لا يقتصر على الجسد فحسب، بل يشمل النفس والروح أيضاً. إنها ممارسة تصل بين النظافة الظاهرة والطهارة الباطنة.»

وتختتم بقولها:
«الحمّام مؤسسة عملية في الإسلام، إذ يوفّر بيئة منظمة تشجع على النظافة الدورية، وفي الوقت نفسه تعزز الشعور بالتجدد الروحي والراحة النفسية من خلال طقوس التطهير.»

 

ابرز أحداث الفعالية

أخبار أخرى قد تعجبك